ابن ميثم البحراني

70

شرح نهج البلاغة

بصنف صنف من الناس إمّا باعتبار الأسنان كأن يقول للشاب الَّذي يغلب عليه طلب اللذّة إنّ هذا وقت السرور والزّمان المساعد والشباب بعد فنائه غير عائد وهذا الربيع قد أشرف أنواره وتصنفت أزهاره ، وكمدح الماكل والمشارب والملابس والمراكب ، ويقول للشيخ الَّذي يغلب على طباعه طلب النفع والحرص على الدنيا ينبغي أن تقتصر على تحصيل منافعك واللهو غير لائق بك وينبغي أن تقلَّل البذل لئلا يستضرّ عيالك وينبغي أن لا تنخدع لفلان ولا تغلط معه لأنّك جريت الخداع ، أو باعتبار أخلاقهم في البلدان كأن يقول للعربي الَّذي طبعه الفصاحة إنّك لذو فضيلة عظيمة ولو لم يكن من فضل الفصاحة إلَّا أنّها وجه إعجاز القرآن لكفى وأمثاله ، وكأن يقول للقرب من جهة ما هم غلاظ الطباع كثير الإطماع إنّ بني فلان أعداؤكم ولا ناصر لهم أو هم قليلون أو نعمهم كثيرة أو إنّ القفل الفلاني كثير النعمة ولا حارس له فيغرّ بهم بذلك ، وكما تحرك طباع الفرس إلى حسن التدبير الَّذي هو عادتهم بما يناسبه أو إلى الملال الَّذي هو طباعهم بما يناسبه ، أو باعتبار الهمم كما يحرّك ما في طباع الملوك من الكبر وعدم الالتفات إلى الغير بما يناسبه وما في طباع الساقتين من الدنائة بما يليق به ، ومن جملة الأمور المشتركة ما يتعلَّق بالممكن من الأمور وغير الممكن كأن يقول الخطيب : إذا أراد أن يقنع بأنّ الأمر الفلاني ممكن فيقول هذا الأمر ممّا يستطاع فهو ممكن أو نقيصة ممكن فهو ممكن أو شبهه ممكن فهو ممكن أو الأصعب منه ممكن فهو ممكن أو أراد أن يقنع بأنّه متوقّع كونه فيقول : الأمر الفلاني مقدور عليه ومراد فلا بدّ أن يكون والنادر يكون فالأكثري يكون ويمكنك أن يعلم أنواع ما لا يكون وأنواع ما لا يمكن من أنواع ما يكون وأنواع ما يمكن . فهذه جملة من الأمثلة تهدي الخطيب إلى أمثالها ، وليس يجب عليه أن يضبط ما لا يتناهى من الأمور بحسب شخص شخص في كلّ واحد من أموره الجزئيّة فإنّ ذلك غير ممكن بل يضبط القوانين الكلَّيّة المتعلَّقة بالأجناس الثلاثة للخطابة ويجتهد في أن يخصّصها مهما أمكن فإنّه كلَّما كان الحكم بالجزئيّ المتكلَّم فيه أخصّ كان أنفع وأقنع مثاله إذا أردت أن تمدح زيدا فقلت هو شجاع لأنّه مستكمل الفضائل بأسرها فهذا وإن كان مقنعا إلا أنّك لو خصّصت فقلت لأنّه هزم جيش العدوّ وقت كذا أو قتل البطل الفلاني يوم كذا لكان ذلك أقنع وأليق بالممدوح ، وقد تقع في الخطابة القصايا المتقابلة